جان لوئيس بوركهارت

359

رحلات بوركهارت في بلاد النوبة والسودان

إلى المماليك بصلة . ولا تبعد دنقلة عن سواكن أكثر من رحلة عشرة أيام إلى ستة عشر ، لذلك خيف من زمن أن يحاول المماليك التقهقر إلى هذا المرفأ ويتحالفوا مع الوهابيين في بلاد العرب على محمد على عدوهما المشترك . وقد مر بسواكن أحد كشّافهم - واسمه حسن جوهر كاشف - قاصدا مكة في عام 1812 حين كان الشريف غالب يلي أمر جدة ، وعرف الناس أنه اجتمع مرات بسعود أمير الوهابيين . لذلك ظن الأغا أنه إذا اتهمنى بأنني مملوك متجسس أو هارب - وهي تهمة لست أحسبه مؤمنا بها في قرارة نفسه - وإذا قبض علىّ بهذه التهمة استطاع أن يستولى على بضاعتى وهو في مأمن من اللوم ، واستحق فوق ذلك شكر رؤسائه في جدة وحمدهم له يقظته وفطنته . قلت للرجل في هدوء إنني آت لأسمع من فمه هل للأمير الحق في الاستيلاء على جملي ، فأجاب « ما هو الجمل بس ، بل ناخد عفشك كله ونفتشه وندبّر شغلك مع أفندينا حقا ، ولا تخمن إنك تحيّل علينا يا . . . ، واستكثر بخيرنا إذا ما رمينا رقبتك » قلت له إنني لست إلا تاجرا منكود الطالع ، وتوسلت إليه ألا يزيدني عذابا على عذاب ، وكنت أبغى بالطبع أن أهدىء من ثائرته دون إبراز الفرمانين إذا كان ذلك ميسورا . ولكن سرعان ما أكرهنى يمك على نبذ هذه الفكرة ، فقد شرع يسبني ويلعننى بالتركية ، ثم نادى شيخا أعرج كان قد خلع عليه لقب « الولي » ( أي ضابط البوليس ) وأمره أن يضع الأغلال في يدي ويلقينى في السجن ويأتيه بعبدى وأمتعتى . هنالك تبين لي أن قد حان الوقت لإبراز فرمانىّ فأخرجتهما من جيب خفى في زعبوطى أما الفرمان الأول فمكتوب بالتركية على ورقة طولها قدمان ونصف وعرضها قدم ، وممهور بخاتم محمد على الكبير ، وأما الثاني وهو أصغرهما فمكتوب بالعربية وعليه خاتم ابنه إبراهيم ، وقد لقبنى فيه « رجلنا إبراهيم الشامي » . وما إن رآني يمك أبسط الفرمانين حتى طار لبّه ، أما الحاضرون فقد أخذوا يرمقوننى بنظرات ملؤها الدهشة . ولم يستطع الأغا أن يقرأ من الفرمانين إلا المكتوب بالعربية ، ولكنه قبّلهما جميعا ووضعهما فوق رأسه ، وقال لي في ذلة ومسكنة إنه ما دفعه إلى صنع ما صنع إلا الحرص على المصلحة العامة دون غيرها ، ثم طلب